تخيّل أن مجموعة شبابية قررت إطلاق مبادرة لخدمة مجتمعها، وبدأت بتنفيذها بنفسها. بعد فترة، انضمت إليها مؤسسة، ثم جهة داعمة، وأصبح للمبادرة نطاق أوسع وتأثير أكبر.
ما الفرق بين الحالتين؟ ما حدث في البداية كان مشاركة مجتمعية، ثم تحوّلت إلى شراكة مجتمعية. وهنا يظهر الفرق بين المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية ببساطة.
ولفهم الفرق بين المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية، من المهم أولاً التعرف على مفهوم كل منهما ودوره في التنمية. على الرغم من أن مفهومي المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية يتشابهان لفظيًا، إلا أنهما يختلفان في المضمون والأثر. فالمشاركة المجتمعية تركز على تمكين المجتمع من التعبير عن رأيه والمشاركة الفعّالة في صنع القرار، بينما تعتمد الشراكة المجتمعية على دور المؤسسات التي تتعاون بشكل منظم مع القطاعات المختلفة، لتوحيد الموارد والخبرات وتحقيق نتائج أوسع.
في هذا المقال، نتعرف على المقصود بكل من المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية، وأوجه التشابه والاختلاف بينهما، وكيف يمكن الاستفادة منهما في تعزيز أهداف التنمية المستدامة.
ما مفهوم المشاركة المجتمعية؟
المشاركة المجتمعية تشير إلى دور وتعاون ومساهمات الأفراد، في الأنشطة والقرارات المؤثرة على حياتهم. من خلال الاستماع إلى آرائهم والاستفادة من مبادراتهم، يتم تصميم البرامج وتنفيذها أو اتخاذ القرارات بما يراعي احتياجات الفئات المختلفة ويلبي طموحات أفراد المجتمع، لتحقيق حلول أكثر ملاءمة واستدامة.
ما مفهوم الشراكة المجتمعية؟
أما الشراكة المجتمعية، فهي مرحلة مختلفة. هي إطار تعاون استراتيجي يجمع بين جهات متعددة، سواء كانت منظمات غير ربحية أو مؤسسات حكومية أو كيانات من القطاع الخاص، لتحقيق أهداف مشتركة تعود بالنفع على المجتمع. تقوم هذه الشراكات على مبدأ المنفعة المتبادلة وتمكّن الأطراف المختلفة من تحقيق نتائج تنموية تتجاوز ما يمكن لأي جهة تحقيقه بمفردها.
على سبيل المثال، يمكن أن تكون الشراكة المجتمعية بين:
- مؤسسة مجتمع مدني + جهة حكومية
- منظمة + شركة
- مبادرة + جهة داعمة
في هذه الحالة، لا نتحدث عن مبادرة، بل عن تنسيق، وتوزيع أدوار، وموارد مشتركة.
الفرق بين المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية
من خلال عرض مفهومي الشراكة والمشاركة المجتمعية، بدا واضحًا أن الفرق قد يبدو بسيطًا، لكنه مهم جدًا.
- المشاركة المجتمعية تبدأ من الأفراد، بينما الشراكة المجتمعية تبدأ من المؤسسات.
- المشاركة المجتمعية تعتمد على المبادرة والتفاعل، بينما الشراكة المجتمعية تعتمد على التنظيم والتنسيق.
- المشاركة المجتمعية تُعبّر عن صوت المجتمع، بينما الشراكة المجتمعية تُوسّع هذا الصوت وتحوّله إلى أثر أكبر.
- المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية تتشابهان في سعيهما لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز العمل التشاركي وخدمة المجتمع، وتختلفان في طبيعة الأدوار وآليات التنفيذ.
- المشاركة المجتمعية تتسم بعلاقة تفاعلية مرنة - مؤقتة أو مستمرة -، أما الشراكة المجتمعية فتميل إلى الإطار المؤسسي والرسمية، وتُنظّم الأدوار والمسؤوليات عبر الاتفاقيات.
- المشاركة المجتمعية تركز على التأثير المباشر في القرارات والبرامج من خلال رفع صوت الناس، بينما تسعى الشراكات المجتمعية إلى تحقيق أثر تنموي أوسع عبر جمع الموارد والخبرات لتوسيع نطاق الخدمات أو تنفيذ مبادرات على مستوى السياسات أو البنية المؤسسية، مما يمكّن من تحقيق نتائج تتجاوز إمكانيات أي جهة بمفردها.

هل نحتاج المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية معًا؟
بالطبع! فنجاح كل منهما يعتمد على الآخر.
بدون مشاركة مجتمعية، لن تُفهم المشكلة جيدًا، ولن تُقترح الحلول الملائمة. وبدون شراكة مجتمعية، لن نستطيع توسيع الحل.
أما عندما يجتمع المفهومان، تظهر الفكرة من المجتمع، وتجد الدعم من المؤسسات، ويتحوّل الجهد إلى أثر حقيقي ومستدام.
ما دور مفهوم المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟
يتجلى دور كل من المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية في تحقيق التنمية المستدامة من خلال:
- المشاركة المجتمعية: عندما يشارك الأفراد في صياغة مشاكلهم وترتيب أولوياتهم، تكون التدخّلات ملائمة أكثر. وإذا رغب الأفراد بالتغيير والتطوير، تزداد الشفافية، وتقل المخاطر الناتجة عن سوء التقدير أو سوء التواصل. وكل هذا يصبّ في التنمية المستدامة.
- أما "الشراكة المجتمعية" فتعدّ أحد أعمدة الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، وهي تساعد على:
- تعبئة الموارد المالية والبشرية والتقنية.
- سد الفجوات بين قدرات المؤسسات وحدود إمكانياتها.
- ضمان القدرة على التوسع والوصول لفئات أوسع.
- تحقيق تكامل استراتيجي بين القطاعات.
كيف نطبق رؤية منار للتكامل بين المفهومين؟ وما الأثر المتوقع؟
ترى مؤسسة منار أن التكامل بين المشاركة المجتمعية والشراكة المجتمعية، أساسُ العمل التنموي الناجح. ويمكن أن يتحقق هذا التكامل عبر:
- بناء تدخلات تبدأ من صوت المجتمع: أي مشروع أو برنامج يجب أن ينطلق من فهم احتياجات المجتمع، عبر جلسات استماع ومشاورات وتقييمات تشاركية.
- تصميم شراكات مبنية على هذه الرؤية: بعد تحديد الاحتياجات، تُقام شراكات مؤسسية تحقق القدرة على التنفيذ، وتوفّر الخبرات والموارد، وتضمن اتساع نطاق الفائدة.
- المتابعة والمساءلة المشتركة: المجتمع يحدد الاحتياجات، والشركاء ينفذون، والمؤسسة تتولى الحوكمة والمساءلة.
- ضمان دورة تعلم مستمرة: التعلم من التجارب، تقييم الشراكات، وتطوير آليات المشاركة، بما ينسجم مع مبادئ التنمية المستدامة.
إذًا، تبدأ أدوارنا كأفراد في المشاركة المجتمعية. ولكن كي لا تتوقف المبادرات في مرحلة المشاركة فقط، وكي لا تبدأ شراكات دون فهم حقيقي لاحتياجات المجتمع، لابد أن تكون المشاركة المجتمعية هي البداية، والشراكة المجتمعية هي التوسّع.



